الاقتصاد الأردني في عهد الملك عبد الله الثاني: التحديات الجيوسياسية والاستجابة التنموية
بقلم:محمد حمادات
المقدمة:
عبر مسار تاريخي يمتد لعقود، شكّل الاقتصاد الأردني نموذجًا فريدًا للدول التي تواجه تحديات مواردية وجيوسياسية كبرى، حيث استطاعت المملكة تحويل محددات جغرافية وضغوط إقليمية إلى فرص للتطوير والمرونة.
منذ تأسيس الدولة في الأردن في العام ١٩٢١، اعتمد الاقتصاد بداية على التنويع المحدود في قطاعي الزراعة والخدمات، لينتقل مع الزمن إلى اقتصاد يواكب المتغيرات العالمية عبر الانفتاح على الاستثمار والتجارة الدولية٬ وفي ظل القيادة الهاشمية، لا سيما في عهد الملك عبد الله الثاني، وُضعت استراتيجيات تنموية عززت من قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الكبرى، لترسخ المملكة مكانتها كلاعب حيوي في منطقة متقلبة.
ومنذ توليه سلطاته الدستورية في عام 1999، واجه الملك عبد الله الثاني واقعاً اقتصادياً يتسم بالتحديات البنيوية وبتعقيد المشهد الإقليمي والدولي٬ تمثل الاقتصاد الأردني بتقييدات هيكلية منها شح الموارد الطبيعية، وعبء الديون المتراكمة، والاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية.
والى جانب هذا، وجدت المملكة نفسها محاطة بأزمات إقليمية متعاقبة، تمثلت في حرب العراق، والصراع في سوريا، وأزمة الطاقة، فضلًا عن الصدمات الاقتصادية العالمية كالأزمة المالية 2008 وجائحة كورونا 2020.
ومع ذلك، نجح الأردن في تحقيق توازن لافت بين الحفاظ على استقراره الاقتصادي والاجتماعي، وتطوير استجابة شمولية للأزمات الكبرى التي ألمّت به، ما يجعله نموذجًا استثنائيًا لدولة صغيرة ذات إمكانيات محدودة تقف صامدة أمام عواصف جيوسياسية واقتصادية عنيفة.
الغزو الامريكي العراق: الأثر العميق على الاقتصاد الأردني
كان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لحظة فاصلة بالنسبة للاقتصاد الأردني، حيث فقد الأردن واحدًا من أهم شركائه التجاريين وأكبر مزوّد للطاقة.
العراق، الذي كان يزوّد الأردن بالنفط بأسعار تفضيلية في إطار بروتوكولات التعاون، توقف فجأة عن تلبية احتياجات الأردن النفطية، وهو ما جعل المملكة تواجه فجوة هائلة في موازنتها، كما تحملت كلفة اقتصادية مضاعفة نتيجة الالتفاف إلى السوق الدولية لتعويض نقص إمدادات الطاقة.
كما فقد الأردن سوقًا أساسيًا لصادراته مثل المنتجات الغذائية والصناعية، حيث كانت التجارة مع العراق تشكل ما يزيد عن 20% من إجمالي الصادرات الأردنية قبل الحرب، وانخفضت هذه النسبة بشكل حاد نتيجة لانعدام الأمن والإغلاقات الحدودية المتكررة، ما تسبب بخسائر مباشرة للقطاع الصناعي والنقل البري.
كما شهد القطاع السياحي حينها تراجعًا ملحوظًا، حيث تأثر تدفق السياح القادمين من العراق والدول المجاورة الذين كانوا يساهمون في جزء كبير من عائدات السياحة الأردنية.
من ناحية أخرى، فرضت الحرب تدفقًا كبيرًا للاجئين العراقيين إلى الأردن، ما أدى إلى ضغوط إضافية على الخدمات العامة مثل المياه والكهرباء والنقل والصحة، حيث اضطرت الحكومة إلى إعادة تخصيص جزء كبير من مواردها المحدودة لخدمة هذه الفئة.
هذه الأعباء الكثيرة دفعت بالأردن إلى إعادة النظر في سياساته الاقتصادية والبحث عن شركاء وأسواق بديلة لضمان استقراره الاقتصادي في ظل الظروف المعقدة التي فرضها الغزو الأمريكي للعراق.
الأزمة المالية العالمية 2008: تحدٍ جديد في ظل ظروف إقليمية صعبة
جاءت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 كأحد أكبر التحديات الاقتصادية التي واجهها الأردن في العقد الأول من الألفية الجديدة، حيث أضافت عبئًا جديدًا على الاقتصاد في وقت كانت فيه المملكة تعاني من تداعيات إقليمية معقدة مثل حرب العراق وأزمات الطاقة.
وأدى انهيار الأسواق المالية العالمية وتباطؤ النمو الاقتصادي إلى تراجع كبير في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي انخفضت بنسبة 65%، إذ لم يتجاوز حجمها في النصف الأول من عام 2009 حوالي 310 ملايين دينار، مقارنة بالفترات التي سبقتها.
كما أثر انخفاض الطلب العالمي على صادرات الأردن بشكل مباشر، مما فاقم من العجز في الميزان التجاري. ومع تقلّص الإنفاق الاستثماري الدولي، شهدت قطاعات حيوية، مثل السياحة والتجارة الخارجية، تباطؤًا ملحوظًا في نشاطها. ورغم انخفاض أسعار النفط والسلع الأساسية خلال الأزمة، مما خفف من الضغوط التضخمية، إلا أن تباطؤ النشاط الاقتصادي بشكل عام أثر سلبيًا على إيرادات الدولة ومستويات النمو.
في إطار الاستجابة لمواجهة الأزمة العالمية، أظهر الاقتصاد الأردني مرونة واضحة بفضل حزمة من التدابير والإجراءات التي تبنتها الحكومة بتوجيه من الملك عبد الله الثاني٬ ركزت هذه الإجراءات على تعزيز الاستقرار المالي والنقدي، حيث قامت الحكومة بخفض أسعار الفائدة والاحتياطي الإلزامي للبنوك لتحفيز النشاط الاقتصادي ودعم القطاعات المتضررة.
الأزمة السورية: الكلفة الاقتصادية الباهظة
لم تترك الأزمة السورية التي اندلعت عام 2011 الاقتصاد الأردني بمعزل عن تداعياتها الكارثية٬ حيث تلقى الاقتصاد الأردني صدمات جرّاء الاضطرابات الإقليمية التي بدأت عام 2011، وكانت الحرب السورية في مقدمتها٬ ففي الفترة بين عامي 2000 و2009، بلغ معدل نمو الناتج القومي الإجمالي للأردن 6.5%. ثم في الفترة بين 2010 و2016، تقلص هذا المعدّل ليصل إلى 2.5% سنويا، وفي 2017 بلغ 2% فقط.
كما تعرضت التجارة العابرة للحدود الأردنية، التي كانت تعتمد على البنية التحتية السورية في نقل البضائع إلى أسواق أبعد مثل لبنان وتركيا، لأضرار جرّاء الحرب٬ حيث قبل الحرب وصل حجم هذه التجارة قرابة 30% من واردات الأردن و11% من صادراته، ولهذا تلقى الاقتصاد الأردني ضربة كبيرة بتضرّر هذه التجارة. كما تعطلت شبكة الطرق السورية السريعة، ذات المسارات المتعددة التي كانت تربط الأردن بالموانئ السورية مثل طرطوس واللاذقية، ومدن شمال سوريا مثل حلب وحتى لبنان، وكان على المصدّرين الأردنيين أن يجدوا طرقا تجارية بديلة.
إضافة إلى ذلك، أدى لجوء أكثر من 1.3 مليون سوري إلى الأردن، والذي يعادل ما يقرب من 14% من سكان المملكة، إلى اختلالات ديموغرافية واقتصادية، وضغوط هائلة على الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه والتعليم والرعاية الصحية، ما اضطر الحكومة إلى زيادة الإنفاق العام بشكل حاد.
وقد زاحم عدد كبير من اللاجئين السوريين العمال الأردنيين في العمل في السوق غير الرسمي حيث أدى الى تزايد عدد العاطلين ع العمل من المواطنين الأردنيين وتفاقم أمة البطالة بالإضافة الى ارتفاع كبير في سعر أجور المنازل وسعر العقارات٬ ولم تنته الازمة عند هذا الحد فمع تطاول عمر الأزمة تنصل تهرب المجتمع الدولي من التزاماته بحق اللاجئين حيث شهدت السنوات الأخيرة نقصا كبيرا في المساعدات المقدمة للاجئين السوريين في الأردن مما حمل الحكومة الأردنية كثيرا من الأعباء الاقتصادية.
أزمة الطاقة: كسر الاعتماد
بينما كان الأردن يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الغاز المصري المستورد لتلبية احتياجاته من الطاقة، أدى تصاعد الاضطرابات الإقليمية عقب 2011 إلى انقطاع الإمدادات بشكل متكرر، مما أجبر المملكة على استيراد الوقود الأحفوري بأسعار دولية، مما ضاعف من عجز موازنته٬ ولذلك صار هَمُّ الأردن أن يبحث عن وسائل جديدة، لكي يواجه هذه الأزمات٬ ومن هنا اتجه الأردن إلى إنتاج الكهرباء بالطاقة البديلة والنظيفة٬ وهما الشمس والرياح٬ وأنظمة الأشعة الشمسية والرياح في بعض مناطق الأردن تنتج كهرباء بفاعلية عالية، خاصة جنوب وشمال شرق الأردن.
“جائحة كورونا والاقتصاد الأردني: تحديات جديدة واستجابات مرنة”
جاءت جائحة كورونا لتضيف تحديًا جديدًا على الاقتصاد الأردني، الذي كان يواجه بالفعل سلسلة من التحديات المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية والصدمات الاقتصادية العالمية٬ وفرضت الجائحة قيودًا صارمة على الحركة التجارية والسياحية وانقطاعا في سلاسل التوريد العالمية، وهما من القطاعات الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد الأردني بشكل كبير٬ حيث تراجعت عائدات السياحة بنحو 76% في عام 2020، مما زاد من الضغوط على الميزان التجاري والنقد الأجنبي.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت القطاعات الإنتاجية انخفاضًا حادًا في النشاط نتيجة الإغلاقات والحجر الصحي، مما رفع نسب البطالة لتتجاوز 25%. ومع ذلك، استجابت الحكومة الأردنية لهذه الأزمة من خلال إطلاق برامج دعم للقطاعات المتضررة وتحفيز الاقتصاد، إضافة إلى تطوير برامج التحول الرقمي وتوسيع الحماية الاجتماعية، في محاولة لتخفيف آثار الجائحة على الفئات الأكثر تأثرًا وضمان استقرار الاقتصاد في مواجهة هذا التحدي الجديد.
المشاريع الاقتصادية الكبرى في عهد الملك عبد الله الثاني: استراتيجية تعزيز النمو والاندماج في الاقتصاد العالمي
شهد الاقتصاد الأردني تحت قيادة الملك عبد الله الثاني تحولات جوهرية تمثلت في تبني مشاريع تنموية كبرى وسياسات تجارية طموحة هدفت إلى تعزيز النمو الاقتصادي والاندماج في الاقتصاد العالمي.
من أبرز هذه المشاريع مبادرة مشروع جر مياه الديسي، الذي يعد نقلة نوعية في تأمين الموارد المائية للمملكة، إذ أسهم في تقليل الضغوط المائية ودعم القطاعين الزراعي والصناعي٬ كما تم إنشاء وتطوير مناطق اقتصادية خاصة، مثل منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، التي أسهمت في تحويل العقبة إلى مركز إقليمي للاستثمار والتجارة والنقل، بالإضافة إلى مناطق صناعية مؤهلة لتعزيز صادرات الأردن إلى الأسواق العالمية.
وفي المجال التجاري، قاد الملك عبد الله الثاني سياسة انفتاح اقتصادي قائمة على توقيع عدد كبير من الاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية، حيث أصبح الأردن طرفًا في اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى زيادة الصادرات الأردنية للسوق الأمريكي بمعدلات قياسية٬ كما كان انضمام الأردن إلى منظمة التجارة العالمية عام 2000 خطوة استراتيجية لتعزيز مكانته الاقتصادية عالميًا، إذ أتاحت هذه العضوية فرصة للإصلاح الهيكلي وإدماج الاقتصاد الأردني في النظام التجاري الدولي، مما جذب مزيدًا من الاستثمارات الأجنبية وحفّز المنافسة الداخلية.
انعكست هذه المبادرات والسياسات على المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، حيث شهد الناتج المحلي الإجمالي نموًا مستدامًا خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي 6% خلال الفترة من 2000 إلى 2008، وهو مؤشر على التحسن النسبي في أداء القطاعات الاقتصادية الأساسية مثل الصناعة والخدمات. إلى جانب ذلك، انخفضت معدلات التضخم في العديد من السنوات بفضل سياسات الأردن النقدية والمالية لضبط الأسعار والسيطرة على الأسواق.
كما شهد قطاع السياحة انتعاشًا، إذ أسهمت المشاريع السياحية الكبرى والاهتمام بالمواقع الأثرية مثل البتراء والبحر الميت في تعزيز عائدات هذا القطاع الحيوي، الذي أصبح يساهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي.
تمثل هذه الجهود الاقتصادية رؤية الملك عبد الله الثاني لتعزيز النمو الشامل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في مواجهة التحديات، مؤكدة قدرة الأردن على التكيف مع التطورات الاقتصادية العالمية والتحديات الإقليمية المتكررة.
الخاتمة:
في الختام٬ من يستعرض تاريخ الاقتصاد السياسي في الأردن٬ ومن يقرأ الظرف الاقتصادي في عهد الملك عبدلله الثاني٬ يجد ان التحديات كانت حاضرة في كل مفاصل التاريخ الأردني ولم تنته أزمة سواء داخلية أو خارجية الا ودخلنا في أخرى٬ وبالعودة لأرنولد توينبي رائد نظرية “التحدي والاستجابة”، تتجلى عبقرية الأمم في قدرتها على تحويل أزماتها إلى فرص للنهوض.
والأردن، الذي واجه عبر مسيرته أعتى الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية، هو نموذج حي لهذه الفكرة تحت قيادة الملك عبد الله الثاني، فلم يكن التحدي مجرد اختبار للصمود، بل فرصة لصياغة استجابة واعية تأخذ بيد المملكة نحو آفاق جديدة.
مشاريع التنمية الكبرى، والانخراط في النظام الاقتصادي العالمي، والسياسات التي نجحت في التخفيف من وطأة الحروب والنزاعات على اقتصاده، كل ذلك لم يكن إلا استجابة واعية لواقع معقد ومحفوف بالمخاطر.
ورغم هذه الإنجازات التي تشهد للأردن بمرونته وصلابته، فإن الطريق نحو تحقيق آمال الشعب الأردني في مستقبل مشرق مليء بالازدهار لم ينتهِ بعد.
لا يزال أمام المملكة مسار طويل يتطلب إبداعًا وتجديدًا في مواجهة تحديات أكثر تعقيدًا٬ فبين طموح الشعب الأردني ومتغيرات العالم، يقف الأردن على أعتاب استجابة جديدة تفتح أبواب الغد ليكون أكثر عدلاً واستدامة، فيكون عندئذ بحق درسًا ملهِمًا في التاريخ، حيث تصنع التحديات مسارات القوة والنهوض.